الجصاص

587

أحكام القرآن

ابتدأه السبع فقتله فلا شئ عليه ، وإن كان هو الذي ابتدأ السبع فعليه الجزاء ، لعموم قوله تعالى : ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) . واسم الصيد واقع على كل ممتنع الأصل متوحش ، ولا يختص بالمأكول منه دون غيره ، ويدل عليه قوله تعالى : ( ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ) [ المائدة : 94 ] فعلق الحكم منه بما تناله أيدينا ورماحنا ، ولم يخصص المباح منه دون المحظور الأكل . ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم الأشياء المذكورة في الخبر وذكر معها الكلب العقور ، فكان تخصيصه لهذه الأشياء وذكره للكلب العقور دليلا على أن كل ما ابتدأ الانسان بالأذى من الصيد فمباح للمحرم قتله ، لأن الأشياء المذكورة من شأنها أن تبتدئ بالأذى ، فجعل حكمها حكم حالها في الأغلب وإن كانت قد لا تبتدئ في حال ، لأن الأحكام إنما تتعلق في الأشياء بالأعم الأكثر ، ولا حكم للشاذ النادر . ثم لما ذكر الكلب العقور - وقيل هو الأسد - فإنما أباح قتله إذا قصد بالعقر والأذى ، وإن كان الذئب فذلك من شأنه في الأغلب ، فما خصه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بالخبر وقامت دلالته فهو مخصوص من عموم الآية ، وما لم يخصه ولم تقم دلالة تخصيصه فهو محمول على عمومها . ويدل عليه حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الضبع صيد وفيه كبش إذا قتله المحرم " . وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ، والضبع من ذي الناب من السباع ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم فيها كبشا . فإن قيل : هلا قست على الخمس ما كان في معناها وهو مالا يؤكل لحمه ! قيل له : إنما خص هذه الأشياء الخمسة من عموم الآية ، وغير جائز عندنا القياس على المخصوص إلا أن تكون علته مذكورة فيه أو دلالة قائمة فيما خص ، فلما لم تكن للخمس علة مذكورة فيها لم يجز القياس عليها في تخصيص عموم الأصل . وقد بينا وجه دلالته على ما يبتدئ الانسان بالأذى من السباع ، وكونه غير مأكول اللحم لم تقم عليه دلالة من فحوى الخبر ولا علته مذكورة فيه ، فلم يجز اعتباره . وأيضا فإنه لا خلاف فيما ابتدأ المحرم في سقوط الجزاء ، فجاز تخصيصه بالإجماع وبقي حكم عموم الآية فيما لم يخصه الخبر ولا الاجماع . وعن أصحابنا من يأبى القياس في مثله ، لأنه حصره بعدد فقال : " خمس يقتلهن المحرم " وفي ذلك دليل على أن ما عداه محظور ، فغير جائز استعمال القياس في اسقاط دلالة اللفظ . ومنهم من يأبى صحة الاعتلال بكونه غير مأكول ، لأن ذلك نفي والنفي لا يكون علة ، وإنما العلل أوصاف ثابتة في الأصل المعلول ، وأما نفي الصفة فليس يجوز أن يكون علة . فإن غير الحكم بإثبات وصف وجعل العلة أنه محرم الأكل لم يصح ذلك أيضا ، لأن التحريم هو الحكم بنفي الأكل ،